السبت، 1 ديسمبر 2018

قصة سيف بن ذي يزن وبشارته بالنبي

قصة سيف بن ذي يزن وبشارته بالنبي

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه (هواتف الجان): حدثنا علي بن حرب، حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبي - عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس قال:
لما ظهر سيف بن ذي يزن قال ابن المنذر - واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين، أتته وفود العرب وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش، فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس أبي عبد الله، وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد، في أناس من وجوه قريش.
فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الذي ذكره أمية أبي الصلت:
واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دارا منك محلالا
فدخل عليه الآذن فأخبره بمكانهم، فأذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك، فقد أذنا لك. فقال له عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعذيت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن.
فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب وربيعها الذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، وسلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمد من هم سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه.
ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك من كشف الكرب الذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادن، فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا، يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
ثم نهضوا إلى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه، ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به، ولكني رأيتك معدنه، فاطلعتك طليعه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره.
إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون، الذي اخترناه لأنفسنا، واجتجناه دون غيرنا، خبرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة.
فقال عبد المطلب: أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب - أبيت اللعن -: لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله واعظامه، لسألته من بشارته إياي، ما ازداد به سرورا.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، واسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعزبهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم أهل الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطلب: أيها الملك - عز جدك، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك - فهذا نجاري، فهل الملك سار لي بافصاح، فقد أوضح لي بعض الإيضاح.
فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النقب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخر عبد المطلب ساجدا فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك؟
فقال: أيها الملك كان لي ابن، وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخل لهم النفاسة، من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته.
فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني صارف ذلك إليك، عن غير تقصير بمن معك.
قال: ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشرة إماء، وبمائة من الإبل، وحلتين من البرود، وبخمسة أرطال من الذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوء عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك.
وقال له: إذا حال الحول فأتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول. فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول يا معشر قريش: لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك و إن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن ليبغبطني بما يبقى لي ولعقبي ومن بعدي، ذكره، وفخره، وشرفه، فإذا قيل له متى ذلك؟ قال: سيعلم ولو بعد.
قال: وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس:
جلبنا النصح تحقبه المطايا * على أكوار أجمال ونوق
مقلفة مراتعها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق
تؤم بنا ابن ذي يزن وتغري * بذات بطونها ذم الطريق
وترعى من مخائله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق
فلما واصلت صنعاء حلت * بدار الملك والحسب العريق
وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في (الدلائل) من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبي.
ثم قال أبو نعيم: أخبرت عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن، حدثني أبي أبو يزن إبراهيم، حدثنا عمي أحمد بن محمد أبو رجاء به، حدثنا عمي محمد بن عبد العزيز، حدثني عبد العزيز بن عفير، عن أبيه، عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال: لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة. وذكره بطوله.
وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية، أخبرني أبي، عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية، عن جده أبي سوية، عن أبيه خليفة قال: سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواة بن خثعم بن سعد فقلت: كيف سماك أبوك محمدا؟
فقال: سألت أبي عما سألتني عنه فقال: خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب بن العقيد، ويزيد بن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا، فسمع كلامنا راهب فأشرف علينا فقال: إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد!
فقلنا: نعم نحن قوم من مضر. قال: من أي المضرين؟
قلنا: من خندف. قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين فسارعوا إليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا.
فقلنا له: ما اسمه؟ قال: اسمه محمد، قال: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا، يعني أن كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده.
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدثنا حازم بن عقال بن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبي الحصين بن السموأل بن عاديا، حدثني جابر بن جدان بن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن السموأل بن عاديا قال: لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين وليس لك ولد غير مالك.
فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك، إن الذي يخرج النار من الوثيمة قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا وكل إلى الموت.
ثم أقبل على مالك وقال: أي بني المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد، القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم، ولدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول:
شهدت السبايا يوم آل محرِّق * وأدرك أمري صيحة الله في الحجر
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا * ولا سواقة إلا إلى الموت والقبر
فعل الذي أردى ثمودا وجرهما * سيعقب لي نسلا على آخر الدهر
تقربهم من آل عمرو بن عامر * عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر
فإن لم تك الأيام أبلين جِدّتي * وشيّبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا علا فوق عرشه * عليما بما يأتي من الخير والشر
ألم يأت قومي أن لله دعوة * يفوز بها أهل السعادة والبر
إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين مكة والحجر
هنالك فابغوا نصره ببلادكم * بني عامر إن السعادة في النصر

الجمعة، 16 نوفمبر 2018

فتح بلاد سمر قند


في عصر عمر بن العزيز رضي الله عنه عند فتح سمرقند على يدِّ قائد عظيم قتيبة بن مسلم. بدأت المحاكمة؟ نادِ الغلام: "ياقتيبة" (هكذا بلا لقب)، فجاء قتيبة وجلس هو وكبير الكهنة أمام القاضي جَميْعُهم. قال القاضي: "ما دعواك يا سمرقندي؟" قال: "اجتاحنا قتيبة بجيشه، ولم يدعنا إلى الإسلام ويُمهِلنا حتى ننظر في أمرنا". التفت القاضي إلى قتيبة وقال: "وما تقول في هذا يا قتيبة؟". قال قتيبة: "الحرب خدعة، وهذا بلد عظيم، وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية". قال القاضي: "يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟" قال قتيبة: "لا إنما باغتناهم لما ذكرت لك". قال القاضي: "أراك قد أقررت. وإذا أقر المدعى عليه انتهت المحاكمة، يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل". ثم قال: "قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء، وأن تُترك الدكاكين والدور، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد، على أنْ يُنذِرهم المسلمون بعد ذلك!" لم يُصدِّق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه ؛ فلا شهود ولا أدلة، ولم تدم المحاكمة إلا دقائق معدودة، ولم يشعروا إلا والقاضي والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم. وبعد ساعات قليلة سمع أهل سمرقند بجلبةٍ تعلو وأصوات ترتفع وغبار يعمّ الجنبات، ورايات تلوح خلال الغبار، فسألوا. فقيل لهم: "إنَّ الحكم قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب"، في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به. وما إنْ غرُبت شمس ذلك اليوم إلا والكلاب تتجوّل بطرق سمرقند الخالية، وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجاً، وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. هو حالنا عندما كنا عظماء.


.( 40 ) فائدة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه
" جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم " ..( 40 ) فائدة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

(1) امتثال أمر الله.
(2) موافقة الله سبحانه وتعالى في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ،وإن اختلفت الصلاتان.
(3) موافقة الملائكة فيها.
(4) الحصول على عشر صلوات من الله تعالى على المصلي مرة واحدة.
(5) يرفع العبد بها عشر درجات.
(6) يكتب له بها عشر حسنات.
(7) يمحى له بها عشر سيئات.
(8) أنها سبب في إجابة الدعاء.
(9) سبب حصول شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم
(10) سبب لغفران الذنوب.
(11) سبب لكفاية الله سبحانه وتعالى العبد ما أهمه.
(12) قرب العبد من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
(13) قيام الصلاة مقام الصدقة لذي العسرة.
(14) سبب لقضاء الحوائج.
(15) سبب لصلاة الله وملائكته عليه.
(16) سبب زكاة المصلي وطهارة له.
(17) سبب تبشير العبد بالجنة قبل موته.
(18) سبب النجاة من أهوال يوم القيامة.
(19) سبب تذكر العبد ما نسيه.
(20) سبب رد سلام النبي صلى الله عليه وسلم على المصلي والمسلم عليه.
(21) سبب طيب المجلس فلا يعود حسرة على أهله يوم القيامة.
(22) سبب نفي الفقر.
(23) سبب نفي البخل عن العبد.
(24) سبب نجاته من الدعاء عليه برغم الأنف.
(25)سبب طريق الجنة،لأنها ترمي بصاحبها على طريق الجنة،وتخطئ بتاركها عن طريقها.
(26) النجاة من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
(27) سبب تمام الكلام في الخطب وغيرها.
(28) سبب وفور (كثرة)نور العبد على الصراط.
(29) سبب خروج العبد من الجفاء.
(30) سبب لإبقاء الله سبحانه وتعالى الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض.
(31) سبب البركة على المصلي.
(32) سبب نيل رحمة الله تعالى.
(33) سبب دوام محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
(34) سبب دوام محبة الرسول صلى الله عليه وسلم للمصلي.
(35) سبب هداية العبد وحياة قلبه.
(36) سبب عرض اسم المصلى على النبي صلى الله عليه وسلم
(37) سبب تثبيت القدم على الصراط.
(38) سبب أداء بعض حق المصطفى صلى الله عليه وسلم
(39) أنها متضمنة لذكر الله وشكره تعالى.
(40) أنها دعاء لأنها سؤال الله عز وجل أن يثني على خليله صلى الله عليه وسلم ، أو سؤال العبد لحوائجه ومهماته

السبت، 3 نوفمبر 2018

“الحكاية فيها إن”

قصة مقولة “الحكاية فيها إن” هي إحدى القصص التي تتحدث عن دهاء العرب واستخدامهم للأساليب والاستعارات والألفاظ الغير صريحة والمكنية في التعبير عن آرائهم والتي تعبر عن قوة اللغة العربية وروعة معانيها فعن طريق كلمة مكونة من حرفين “إن” تم إنقاذ علي بن منقذ صاحب قصتنا من الموت المحقق عن طريق حيلة بسيطة قام بها كاتب الحاكم لم يستخدم فيها غير لفظ إن الذي كان كفيلاً بإيصال التحذير كاملاً إليه.
قصة مقولة “الحكاية فيها إن”صاحب القصة هو رجل يلقب بـ “علي بن المنقذ” الذي كانت تربطه علاقة صداقة قوية بحاكم حلب “محمود بن صالح بن مرداس” ولكن الأنفس الخبيثة والضعيفة المنتشرة بالدولة لم تترك هذه العلاقة على حالها بل زرعت الضغائن بين الطرفين وعملت على إيصال الأخبار المغلوطة بين الطرفين مما جعل علاقة الصداقة تنعكس إلى علاقة عداء شديد ومطاردة قوية من حاكم حلب إلى علي بن المنقذ حتى اضطر الأخير إلى الهروب على خارج حلب.
خدعة واستدراج :أرسل حاكم حلب إلى الكاتب الخاص به وطلب منه أن يكتب رسالة إلى علي بن المنقذ يخبره فيها بالعفو والسماح وأن الحاكم في انتظار مقابلته إلا أن الكاتب أحس بالخديعة وأن الحكم يبيت النية لابن المنقذ فما كان من الكاتب إلا أن كتب رسالة عادية واختتمها بكلمة “إن شاء الله تعالى” ووضع التشديد على النون بدلاً من السكون

فهم سريع ورد ذكي :حينما وصلت الرسالة إلى علي بن المنقذ الذي كان يتمتع بالذكاء الشديد والفطنة فهم المقصد من الرسالة ومحتواها الحقيقي الذي كان يقصده الكاتب وهو قول الله تعالى ” إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ” ففهم المؤامرة التي يعدها حاكم حلب
قام علي بن المنذر بكتابة الرد على الرسالة والذي كان يحوي معنى خاص لن يفهمه إلا كاتب الحاكم وكان محتوى الرسالة بالغ الشكر والإحساس بالعرفان بالجميل لحاكم حلب على ثقته الشديدة به ويطمئنه على قدومه إلى حلب في وقت لاحق إلا أنه ختم رسالته بنفس الحيلة في الرسالة السابقة وكتب فيها ” إنا الخادم المقر بالإنعام ” بتشديد النون أيضاً
اطمئنان كاتب الحاكم على “علي بن المنقذ” :بعد وصول الرسالة طلب الحاكم قراءة محتوى الرسالة على الملك الذي لم يجد فيها ما يثير شكوكه أو يدعو إلى الريبة فها هو على بن المنقذ يقدم الولاء والطاعة للملك ويقر بإنعام الملك عليه إلا أن الكاتب فهم محتوى الرسالة الحقيقي والذي كان يختفي بين الكلمات فقد كان يقصد علي بن المنذر بقوله “إنا الخادم المقر بالإنعام” قول الله تعالى ” إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا” فاطمئن قلبه وعلم أن رسالته قد أنقذت علي بن المنقذ من يد حاكم حلب التي كانت تتوعده بالحيلة والفطنة.
الحكاية فيها إن :قصة مقولة “الحكاية فيها إن” التي يرددها البعض مدعياً أن الحكاية التي يرويها الأشخاص تحوي معنى آخر خفي وغير واضح فهي قصة رائعة تبين مدى جمال اللغة العربية وسحرها في استخدام التعابير الواسعة بأقل الحروف فهي اللغة الوحيدة على مستوى العالم التي يمكنها من خلال حروف قليلة جداً إيفاد معنى واسع لمستمعيها نعم إنها لغة القرآن لغة الضاد التي شرفها الله من فوق سبع سموات وحباها وميزها عن بقية اللهجات واللغات لتصبح اللغة الوحيدة التي ترجمت كلام رب العزة ونقلته إلى العالمين في ألفاظ وتعابير قوية وصريحة تطرب لها الآذان

السبت، 27 أكتوبر 2018

صاحبُ شرطة المأمون العباس بن المُسيّب

ال صاحبُ شرطة المأمون العباس بن المُسيّب : دخلتُ يومًا مجلسَ أميرِ المؤمنين ببغداد ، وبين يديه رجلٌ مُكبَّلٌ بالحديد : فلمَّا رآني ، قال لي : يا عباس!! قلت : لبّيك يا أمير المؤمنين!! قال : خُذ هذا إليك ، واحتفظ به ، وبكّر به إلىّ في غد!! . فدعوتُ جماعةً فحملوه ولم يقدر أن يتحرك!! فقلت في نفسي : مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجبُ أن يكون معي في بيتي ، فأمرتهم فتركوه في مجلسٍ لي في داري . ثم أخدتُ اسأله عن قضيّته وعن حاله ، ومن أين هو ؟!! فقال : أنا من دمشق ، فقلت : جزى الله دمشق وأهلها خيراً ، فمن أنت من أهلها ؟!! قال : وعمّن تسأل ؟!! قلت : أتعرف فلاناً ؟!! قال : ومن أين تعرفُ ذلك الرجل ؟!! قلت : وقعت لي قضيّة معه ، فقال : ما كنت بالذي أعرّفُك خبره حتى تعرّفني قضيّتك معه!! ، فقلت : كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها وخرجوا علينا حتى إن الوالي تدلّى في زنبيل " قـُفة " من قصر الحجاج ، وهرب هو وجميع أصحابه ، وهربت في جملة القوم . فبينما أنا هاربٌ في بعض الدروب إذا جماعة يعدون خلفي ، فما زلت أعدو أمامهم ، حتى فُتُّهُم ، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك ، وهو جالس على باب داره ، فقلت : أغثني أغاثك الله!! فقال : لا بأس عليك!! ادخل الدار ، فدخلت ، فقالت لي امرأته : ادخل الحجلة فدخلتها ، - الحجلة : غرفة تعد للعروس في جوف البيت - ووقف الرجل على باب الدار فما شعرتُ إلا وقد دخل ، والرجالُ معه يقولون : هو والله عندك!! فقال : دونكم الدار ، فتشوها ، ففتَّوشها حتى لم يبقَ إلا البيت الذي كنت فيه ، فقالوا : هاهنا ، فصاحت بهم المرأة وانتهرتهم ، فانصرفوا . وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعةً ، وأنا قائم في الحجلة أرجُف ، ما تحملني رجلاي من شدَّة الخوف ، فقالت المرأة : اجلس لا بأس عليك ، فجلست ، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال : لا تخف ، فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى . فقلت له : جزاك الله عني خيراً!! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها ، وأفردَ لي مكانًا في داره ، ولم يفتـُر عن تفقُّد أحوالي . فأقمتُ عنده أربعة أشهر في أرغدِ عيش وأهنئه إلى أن سكنت الفتنة وهدأت ، وزال أثَرها ، فقلت له : أتأذن لي في الخروج حتى أتفقّدَ خبر غلماني ، فلعلي أن أقفُ لهم على أثر أو خبر ، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه ، فخرجتُ وطلبتُ غِلماني ، فلم أرَ لهم أثراً ، فرجعت إليه وأعلمته الخبر . وهو مع هذا كله لا يعرفُني ولا يسألني ، ولا يعرف اسمي ، ولا يُخاطبني بغير الكُنية . ثم قال : علام تعزم ؟!! فقلت : عزمت على التوجه إلى بغداد ، فقال : القافلة تخرج بعد ثلاثة أيام ، وهأنذا قد أعلمتك!! فقلت له : إنك تفضّلت عليّ هذه المدة ، ولك عليّ عهدٌ ألا أنسى لك هذا الفضل ولأُكافئنّك ما استطعت . ثم دعا غلامًا له أسود وقال له : أسرِج الفرس ، ثم جهّز آلةَ السفر ، فقلت في نفسي : ما أظنُّ إلا أنه يريدُ أن يخرجَ إلى ضيعةٍ له أو ناحية من النواحي ، فأقاموا يومهم ذلك في تعبٍ وكدّ ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحَر وقال : يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة ، وأكره أن تنفرد عنها ، فقلت في نفسي : كيف أصنعُ ، وليس معي ما أتزوّد به ، ولا ما أكثري به مركوبًا!! ثم قمت ، فإذا هو وامرأته يحملان أفخرَ الثياب ، وخفّين جديدين ، وآلة السفر . ثم جاءني بسيف ومِنطقة فشدهما في وسطي ، ثم قدّم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ، ودفع إليّ نسخةً بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم ، وقدّم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي : اركب ، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك . وأقبل هو وامرأته يعتذران إليّ من التقصير في أمري ، وركب معي فشيعني ، وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقّعُ خبره ، لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته ، واشتغلتُ مع أمير المؤمنين ، فلم أتفرّغ أن أُرسل إليه من يكشفُ خبره ، فلهذا اسألُ عنه!! . فلما سمع الرجل الحديث قال : لقد أمكنك الله عز وجل من الوفاء له ، ومكافأته على فعله ومجازاتِه على صنيعه بلا كُلفةٍ عليك ، ولا مؤونةٍ تَلزمُك . فقلت : وكيف ذلك ؟!! قال : أنا والله ذلك الرجل!! وإنما الضّرُّ الذي أنا فيه غيّرَ عليك حالي ، وما كنتَ تعرفُه منّي . وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبّلت رأسه ، وقلت له : ما الذي أصارك إلى ما أرى ؟!! فقال : هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك ، فنُسِبت إليّ وبعث أمير المؤمنين بجيوش ، فأصلحوا البلد ، وحُملت إليه وقد ضُرِبتُ إلى أن أشرفتُ على الموت!! وأمري عنده عظيم ، وخَطبي لديه جسيم ، وهو قاتلي لا محالة ، وقد أُخرِجتُ من عند أهلي بلا وصيّةٍ ، وقد تبعني من غِلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري ، وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تجعل مكافأتك لي أن تبعث إليه حتى يحضر فأوصيه بما أريد ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حدَّ المكافأة لي ، وقمتَ لي بوفاء عهدك!! قلت : يصنعُ الله خيرًا . ثم أحضر العباس : حدّادًا في الليل فكّ قيوده ، وأزال ما كان فيه من الأنكال ، وأدخله حمّام داره ، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه ، ثم سيَّر مَن أحضَرَ إليه غلامه . فلما رأه جعلَ يبكي ويوصيه ، فاستدعى العباسُ نائبه ، وقال عليّ بالأفراس والهدايا ، ثم أمره أن يشيّعه إلى حَدَّ الأنبار!! فقال له : إن ذنبي عند أمير المؤمنين عظيمٌ ، وخطبي جسيم ، وإن أنتَ أحتججت بأني هربتُ بعثَ في طلبي كلّ من على بابه ، فأُردّ وأقتل . فقال العباس : انجُ بنفسك ودَعني أدبّر أمري!! فقال : والله لا أبرحُ بغداد حتى أعلمَ ما يكون من خبرك!! فإن احتجتَ إلى حضوري حضرت . فقال العباس : إن كان الأمرُ على ما تقول ، فلتكن في موضع كذا ، فإن أنا سَلِمتُ في غداة غدٍ أعلمتـُك ، وإن أنا قـُتِلتُ فقد وَقَيتـُكَ بنفسي كما وقيتني!! ثم تفرّغ العباس لنفسه ، وتحنّظ وجهّز له كفنًا . قال العباس : فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا ورسلُ المأمون في طلبي ، وهم يقولون : هاتِ الرجل معك وقُم!! فتوجّهتُ إلى دار أمير المؤمنين ، فإذا هو جالسٌ ينتظر . فقال : أين الرجل ؟!! فسكتُّ!! فقال : ويحك!! أين الرجل ؟!! فقلت : يا أمير المؤمنين ، اسمع مني . فقال : لله عليّ عهدٌ لئن ذكرتَ أنه هرب لأضرِبنَّ عُنقك!! فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب ، ولاكن اسمع حديثي ، ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري!! قال : قل . فقلت : يا أمير المؤمنين ، كان من حديثي كيت وكيت ، وقصصتُ عليه القصة جميعها ، وعرّفتـُه أني أريدُ أن أفيّ له ، وأكافئه على فعله معي ، وقلت : أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين : إما أن يصفحَ عني ، فأكون قد وفيتُ وكافأتُ وإما أن يقتلني فأقيَه نفسي ، وقد تحنّطت ، وها هو ذا كفني يا أمير المؤمنين!! . فلما سمع المأمون الحديث قال : ويلك!! لا جزاك الله عن نفسك خيرًا ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفةٍ ، وتكافئُه بعد المعرفة بهذا ؟!! هلا عرّفتني خبرَه ، فكنا نكافئُه عنك ، ولا نقصّر في وفائك له!! فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنه هاهنا وقد حلف ألا يبرحَ حتى يعرفَ سلامتي ، فإن احتجت إلى حضوره حضر . فقال المأمون : وهذه منّةٌ أعظمُ من الأولى لله دركم!! اذهب إليه الآن ، فطيّب نفسه وسكّن روعه ، وائتني به حتى أتولّى مكافأته . فأتيتُ إليه وقلت له : ليزُل خوفُك ، إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا!! فلما مَثَلَ بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه ، وأدناه من مجلسه وحدّثه ، حتى حضر الغداء فأكل معه ، وخلع عليه ، وعرض عليه أعمال دمشق ، فاستعفى!! ، فأمر له بصلةٍ عظيمة ووضع الخراج عن أرضه وكتب إلى عامله بدمشق بالوصيّةِ به .

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

علموا أولادكم ؛ فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم

لما تولى الحجاج بن يوسف الثقفي شؤون العراق ، أمر مرؤوسه أن يطوف بالليل ،
فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان ،
فاتّجَهَ إلَيْهِمْ وسألهم : من أنتمْ حتى خالفتم أوامر الحجاج .. ؟
فقال الأول :
أنا ابن الذي دانت الرقاب له * ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليــْـه الرقــَـاب صاغرة * يأخـُـذ من مالها ومن دمها
قال لعله من أقارب الأمير !!!
وقال الثانِي :
أنا ابن الذي لا يَنـْزل الدهر قدره * وإن نزلت يوما فسوف تعودُ
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره * فمنهم قيــَـام حولها وقعودً
وقال الثالث :
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه * وقـَومها بالسيف حتى استقامتِ
ركـَابـَاه لا تنــْـفك رجــْــلاه عنهما * إذا الْخيــْــل في يوم الكريهة ولتِ
فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم ، وكشف عن حالهم .. ؟
فإذا الأول ابن حجّام !!!
والثانِي ابن فوّال !!!
والثالث ابن حائك !!!
فتعجب الحجاج من فصاحتهم ، وقال لجلسائه :
علموا أولادكم ؛ فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ، ثم أطلقهم ، ثم أنشد أبياتِ
علي بن أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ :
كن ابن من شئت واكتسب أدبا * يغنيــك مَحمــُـوده عن النسبِ
إن الفتى من يقــــُــول ها أنا ذا * ليس الفتى من يقول كان أبِي

الخميس، 27 سبتمبر 2018

قصة مقتل الحسين

"مقتل الحسين بقلم العلامة ابن باز رحمه الله‏"
 بيان جدير بالقراءة
بسم الله الرحمن الرحيم 

قصة مقتل الحسين 

حفيد المصطفى صلى الله عليه وسلم 

للعلامة الشيخ  / عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعالى 

كثر الكلام حول مقتل الشهيد السعيد السيد السبط الحسين بن علي واختلفت القصص في ذلك ، ونورد في هذه الرسالة القصة الحقيقية لمقتل الحسين - رضي الله عنه – ، ولكن قبل ذلك نذكر توطئة مهمة لا بد من معرفتها .

"توطئة "

قال الحافظ ابن كثير : فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتل الحسين رضي الله عنه، فانه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وسخياً، ولكن لا يحسن ما يفعله الناس من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فان أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحدٌ يوم موتهم مأتماً، ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك .

"مقتل الحسين" 

بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 60هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة، وذلك أنهم لا يريدون يزيد ولا أباه ولا عثمان ولا عمر ولا أبا بكر ، انهم لا يريدون إلا عليا وأولاده ، وبلغت الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمائة كتاب .

عند ذلك أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور ويتعرف على حقيقة البيعة وجليتها، فلما وصل مسلم إلى الكوفة تيقن أن الناس يريدون الحسين ، فبايعه الناس على بيعة الحسين وذلك في دار هانئ بن عروة ، ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية في الشام أرسل إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة ليعالج هذه القضية ، ويمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين ولم يأمره بقتل الحسين ، فدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ، وأخذ يتحرى الأمر ويسأل حتى علم أن دار هانئ بن عروة هي مقر مسلم بن عقيل وفيها تتم المبايعة . 
     

فخرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وحاصر قصره بأربعة آلاف من مؤيديه ، وذلك في الظهيرة . فقام فيهم عبيد الله بن زياد وخوفهم بجيش الشام ورغبهم ورهبهم فصاروا ينصرفون عنه حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً فقط . وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ليس معه أحد. فقبض عليه وأمر عبيد الله بن زياد بقتله فطلب منه مسلم أن يرسل رسالة إلى الحسين فأذن له عبيد الله ،وهذا نص رسالته : ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي .

ثم أمر عبيد الله بقتل مسلم بن عقيل وذلك في يوم عرفة ، وكان مسلم بن عقيل قبل ذلك قد أرسل إلى الحسين أن اقدم ، فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم. وهذا ابن عمر يقول للحسين : ( إني محدثك حديثا : إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا ، وإنك بضعة منه ، والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم ، فأبى أن يرجع ، فاعتنقه وبكى وقال : استودعك الله من قتيل ) ، وروى سفيان بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال للحسين في ذلك : ( لولا أن يزري -يعيبني ويعيرني- بي وبك الناس لشبثت يدي من رأسك، فلم أتركك تذهب ) .وقال عبد الله بن الزبير له : ( أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : (عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني ). ( رواه يحيى بن معين بسند صحيح ( . 

وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الذي أرسله مسلم ، فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام نحو يزيد، فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمرو بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن تميم فنزل يناشدهم الله والإسلام أن يختاروا إحدى ثلاث : أن يسيِّروه إلى أمير المؤمنين (يزيد) فيضع يده في يده (لأنه يعلم أنه لا يحب قتله) أو أن ينصرف من حيث جاء (إلى المدينة) أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله. (رواه ابن جرير من طريق حسن) . فقالوا: لا، إلا على حكم عبيد الله بن زياد. فلما سمع الحر بن يزيد ذلك (وهو أحد قادة ابن زياد ) قال : ألا تقبلوا من هؤلاء ما يعرضون عليكم ؟والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حلَّ لكم أن تردوه. فأبوا إلا على حكم ابن زياد. فصرف الحر وجه فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلّم عليهم، ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمة الله عليه (ابن جرير بسند حسن ( .

ولا شك أن المعركة كانت غير متكافئة من حيث العدد، فقتل أصحاب الحسين (رضي الله عنه وعنهم) كلهم بين يديه يدافعون عنه حتى بقي وحده وكان كالأسد، ولكنها الكثرة ،وكان كل واحد من جيش الكوفة يتمنىَّ لو غيره كفاه قتل الحسين حتى لا يبتلي بدمه (رضي الله عنه)، حتى قام رجل خبيث يقال له شمر بن ذي الجوشن فرمى الحسين برمحه فأسقطه أرضاً فاجتمعوا عليه وقتلوه شهيداً سعيداً . ويقال أن شمر بن ذي الجوشن هو الذي اجتز رأس الحسين وقيل سنان بن أنس النخعي والله أعلم .

وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشاناً وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء. وما ثبت يغني . ولا شك أنها قصة محزنة مؤلمة، وخاب وخسر من شارك في قتل الحسين ومن معه وباء بغضب من ربه . وللشهيد السعيد ومن معه الرحمة والرضوان من الله ومنا الدعاء و الترضي .

"من قتل مع الحسين في كربلاء" !!

من أولاد علي بن أبي طالب : أبو بكر – محمد – عثمان – جعفر – العباس .
من أولاد الحسين : أبو بكر – عمر – عثمان – علي الأكبر – عبد الله .
من أولاد الحسن : أبو بكر – عمر – عبد الله – القاسم .
من أولاد عقيل : جعفر – عبد الله – عبد الرحمن – عبد الله بن مسلم بن عقيل .
من أولاد عبد الله بن جعفر : عون – محمد
وأضف إليهم الحسين ومسلم بن عقيل (رضي الله عنهم أجمعين ( 

و أما ما روي من أن السماء صارت تمطر دما، أو أن الجدر كان يكون عليها الدم ، أو ما يرفع حجر إلا و يوجد تحته دم ، أو ما يذبحون جزوراً إلا صار كله دماً فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة .

"حكم خروج الحسين" 

لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه ولكنه لم يرجع ، و بهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلوماً شهيداً . وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده ، ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس. وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدّم رأس يحيى عليه السلام مهراً لبغي وقتل زكريا عليه السلام، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى : "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين" آل عمران 183 . وكذلك قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين .

"موقف يزيد من قتل الحسين" 

لم يكن ليزيد يد في قتل الحسين ولا نقول هذا دفاعاً عن يزيد ولكن دفاعاً عن الحق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره ولم يسب لهم حريماً بل أكرم بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم، وأما الروايات التي تقول إنه أهين نساء آل بيت رسول لله وأنهن أخذن إلى الشام مسبيات وأُهِنّ هناك هذا كلام باطل بل كان بنو أمية يعظمون بني هاشم...