الأحد، 26 يوليو 2020

الرَّجَّال بن عنفوة

من أكثر القصص الصحابة غرابة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر عليه يومًا وهو جالس في رهط (جماعة ) من القوم فَقَالَ ﷺ : 
"إِنَّ فِيكُمْ لَرَجُلًا ضَرْسُهُ فِي النَّارِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ" .

كان إخبارًا من رسول الله ﷺ أن واحدًا منهم سيكون من أهل النار ، وياله من إخبار من الصادق المصدوق ﷺ  الذي لا ينطق عن الهوى؛ فقد حقّــت النار  على أحدهم ! .

فمات القوم جُلهم على خير ، وعلى الإسلام والايمان ، ولم يبق منهم إلا أبا هريرة ، و رجلاً من بني حنيفة اسمه : « الرَّجَّال بن عنفوة » ، وكان من الذين وفدوا على رسول الله في وفد بني حنيفة ، وكانوا بضعة عشر رجلا فأسلموا ، فلزم  الرَّجَّالُ بن عنفوة  النبيَّ ﷺ ، وتعلم منه ، وحفظ القرآن و الأحكام ، وجدّ في العبادة.

يقول رافع بن خديج : كان بالرَّجَّالِ من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير شيء عجيب..

وقال عنه ابن عمر : كان من أفضل الوفد عندنا .

ياسبحان الله !! كان حافظاً قوّاماً صوّاماً..

ظل إخبارُ النبي عالقًا برأس أبي هريرة رضي الله عنه ، وكلما رأى"الرَّجَّال بن عنفوة " ومداومته على العبادة وزهده  ، ظن أن أبو هريرة عن نفسه أنه هو الهالك وأنه هو المقصود بحديث النبي ، وأنه هو صاحب النبوءة وأصابه الرعب والفزع .
فلما ظهر مُسيلمة الكذاب في اليمامة وادّعى النبوة واتّــبعه خلقٌ من أهل اليمامة ! ؛ فبعث أبو بكر الصديق  "الرَّجَّال بن عنفوة " لأهل اليمامة يدعوهم إلى الله ، ويثبّـــتهم على الإسلام ، فلما وصل " الرَّجَّال " اليمامة التقاه مسيلمة الكذاب ، وأكرمه ، وأغراه بالمال والذهب ، وعرض عليه نصف مُلكه إذا خرج إلى الناس وقال لهم إنه سمع محمداً يقول : إن مسيلمة شريك له في النبوة .

ولما رأى " الرَّجَّال " ما فيه  مسيلمة من النعيم - وكان من فقراء العرب - ، ضعُـــف ونسي إيمانه وصلاته وصيامه وزهده ، وخرج إلى الناس الذين كانوا يعرفون أنه من رفقاء النبي ﷺ ، فشهد أنه سمع رسول الله يقول : إنه قد أشرك معه مُسيلمة بن حبيب في الأمر .

فكانت فتنة " الرَّجَّال " أشد من فتنة  مسيلمة الكذاب ، وضل خلقٌ كثير بسببه ، واتّـــبعوا مُسيلمة ، حتى تعدى جيشه أربعين ألفا .

 فجهّــز أبوبكر الصديق جيشاً لحرب مسيلمة فهُـــزِم في بادئ الأمر ، فأرسل مدداً ، وجعل على رأسه سيف الله خالد بن الوليد.

كان من ضمن الجيش : " وحشي بن حرب " الذي قتل أسد الله وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، ثم أسلم و ذهب لرسول الله ﷺ .
ولما ذهب في جيش خالد قرر أن يترصّـد مُسيلمة فيقتل شر خلق الله ؛  تكفيراً عن قتل حمزة عم النبي ﷺ ، و بدأت معركة لم يعرف العرب مثلها ، وكان يوماً شديد الهول ، وانكشف المسلمون في البداية مع كثرة عدوهم وكثرة عتاده .

ولولا ثبات أصحاب رسول الله وأهل القرآن الذين نادوا في الناس ، فعادوا إليهم و حملوا على جيش مسيلمة حتى زحزحوه و تتبع "وحشي" مُسيلمةَ الكذاب حتى قتله بحصن تحصّــن فيه ، وانهزم بنو حنيفة ، وقُتل "الرَّجَّال بن عنفوة"  مع مَن قُـــتل من أتباع مُسيلمة فمات على الكفر مذموماً مخذولاً !

ولما علم أبوهريرة خرَّ ساجدًا شكرا لله ؛ بعد أن أدرك أخيرًا أنه قد نجا.

👇 تأمَّــل 👇 

👈  الرَّجَّال بن عنفوة = رافق النبي ولزم العبادة والقرآن والزهد، ولكنه خُــتم له بشرّ، فضَلَّ وأضل، ومات على الكفر .

👈  وحشي بن حرب = قتل حمزة أسد الله وأسد رسوله، ولكن هداه الله فخُتم له بخير وصار من خيرة المجاهدين.

فلا تغتر بعبادتك، وصلاتك، وصيامك، وزكواتك، وصدقاتك ولا تمنن، وادع الله بأن يثبِّــتك، ويـختم لك بخير.

ولاتحقرن أحدًا بذنبه أو لذنبه، وادع الله أن يتوب عليه. 

ولا تُظهر الشماتة بأخيك المسلم فيعافيه الله ويبتليك!

فأنت لا تعلم ماذا كُتب في اللوح المحفوظ !
فالعبرة بالخواتيم!

«اللهم يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»!

ذكره الحافظ ابن كثير  رحمه الله في «البداية والنهاية» ( ج 6 ص323

الدال على الخير كفاعله.

 قصص الصحابة

وصية تطرب السامع، وتشنف المسامع

وهي وصية تطرب السامع، وتشنف المسامع، ينبغي لكل أم لَبَّةٍ حصيفة أن تتلوها على مسامع ابنتها عند الزفاف. فقد ذكروا أن الحارث بن عمرو ملك كِنْدَةَ لما بلغه جمالُ ابنة عوف بن مُحَلِّم الشيباني، وكمالُها، وقوةُ عقلها، دعا امرأة مِن كندة يُقال لها: عصام، ذات عقل ولسان، وأدب وبيان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف. فمضت حتى انتهت إلى أمها، وهي أمامة بنت الحارث، فأعلمتها بما قَدمَتْ له. فأرسلت أمامة إلى ابنتها، وقالت: أي بنية! هذه خالتك، أتتك لتنظر إليك، فلا تستري عنها شيئًا إن أرادت النظر من وجه أو خلق، وناطقيها إن استنطقتك. فدخلت إليها، فنظرت إلى ما لم تر قط مثله! فخرجت مِن عندها وهى تقول: ((ترك الخِداع مَنْ كَشَفَ القناع))، فأرسلتها مثلاً. ثم انطلقت إلى الحارث، فلما رآها مقبلة قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: ((صَرَّح المَحْضُ عن الزبد)) . رأيت جبهة كالمرآة المصقولة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل، إن أَرْسَلَتْه خِلْتَه السلاسل؛ وإن مشطته قلتَ: عناقيد جَلاَها الوابل. وحاجبين كأنما خُطَّا بقلم، أو سُوِّدا بِحُمَم . تقوسا علي مثل عين ظَبْيَةٍ عَبْهَرَة . ينهما أنف كحَدِّ السيف الصَّنيع ، حَفَّتْ به وَجْنَتَان كالأرجُوان ، في بياض كالجُمَان . شُق فيه فم كالخاتم، لذيذة المبتسم، فيه ثنايا غر ذات أشَر . تَقَلَّب فيه لسان، ذو فصاحة وبيان، بعقل وافر، وجواب حاضر. تلتقي فيه شفتان حَمْروان، تجلبان ريقًا كالشهد إذا دلك. في رقبة بيضاء كالفضة، رُكبت في صدر كصدر تمثال دُمْية. وعَضُدان مُدْمَجَان، يتصل بهما ذراعان، ليس فيهما عظم يُمَسُّ، ولا عرق يُجَسُّ. رُكبت فيهما كفان دقيقان قصبهما لين عصبهما، تعقد إن شئتَ منهما الأنامل أرسل الملك إلى أبيها فخطبها، فزوجها إياه، وبعث بصداقها، فجهزت. فلما أراد أن يحملوها إلى زوجها، قالت لها أمها: أي بنية ! إن الوصية لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل .

الاثنين، 13 يوليو 2020

شجــــــــاعة صحابي

شعـــــــاع من التاريخ②

شجــــــــاعة صحابي



عكرمة بن عمرو بن هشام 
والده الملقب بأبي جهل...

عندما أوشك نصف مليون من الروم على تدمير جيش المسلمين بعد أن قاموا بمحاصرتهم من كل جانب ،
تناول هذا البطل الإسلامي الفذ سيفه واتخذ القرار الأصعب على الإطلاق في حياة أي إنسان 
لقد اتخذ عكرمة رضي الله عنه
قرار الموت ، فنادى
بالمسلمين بصوت يشبه الرعد : أيها المسلمون من يبايع على الموت ؟
 فتقدم إليه
400 فدائي ، ليكوَّنوا ما عرف في التاريخ باسم 
"كتيبة الموت الإسلامية "
عندها اتجه خالد بن الوليد نحو عكرمة وحاول منعه من التضحية بنفسه،
فنظر إليه عكرمة والنور يشرق من جبينه وقال : 
إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول اللّهﷺ
 سابقة،

أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول اللّه ﷺ
فدعني اكَفّر عما سلف مني ولقد قاتلت رسول الله ﷺ
في مواطن كثيرة
وأفر من الروم اليوم ؟ ! !
 إن هذا لن يكون أبدًا!

فانطلقت كتيبة الموت الإسلامية ، وتفاجأ الروم بأسود جارحة تنقض عليهم لتكسر جماجمهـم ،
وتقدم الفدائي تلو الفدائي من وحدة الموت العكرمية نحو مئات الاَلاف من جيش الإمبراطورية الرومانية ، وتقدم عكرمة بن أبي جهل بنفسه إلى قلب الجيش الروماني 
ليكسر الحصار عن جيش المسلمين ، واستطاع فعلًا إحداث ثغرة في جيش العدو بعد أن انقض على صفوفهم انقضاض طالب الموت ،
فأمر قائد الروم أن تصوب كل السهام نحو هذا الفدائي ، 

فسقط فرس عكرمة من كثرة السهام التي انغرست فيه ،
فوثب قائد كتيبة الموت
الإسلامية الفدائي البطل عكرمة بن أبي جهل من على ظهر فرسه وتقدم وحده نحو عشرات
الآلاف من الروم يقاتلهم بسيفه ، عندها صوب الروم سهامهم إلى قلبه ، فلمّا رأى المسلمون
ذلك المنظر الإنساني البطولي ، اختلطت المشاعر في صدورهم ، فاندفع فدائيو كتيبة الموت
العكرمية نحو قائدهم لكي يموتوا في سبيل اللّه كما بايعوه ، فلم يصدق الروم أعينهم وهم
يرون أولئك المجاهدين الأربعمائة يتقدمون للموت المحقق بأرجلهم ، فألقى الله في قلوب الذين كفروا الرعب ،
فرجع الروم القهقرى
ولاذوا بالفرار وصيحات اللّه أكبر تطاردهم من
أفواه فدائى عكرمة ، فاستطاعت تلك الوحدة الاستشهادية كسر الحصار عن جيش المسلمين ، 

ففتش خالد بن الوليد رضي الله عنه
عن ابن عمه عكرمة ليجده وهو ملقى بين اثنين من جنود
كتيبته الفدائية : 
(الحارث ابن هشام) و
(عياش بن أبي ربيعة ) 
والدماء تسيل منهم جميعًا،
فطلب الحارث ابن هشام بعض الماء ليشربه ، وقبل أن يشرب قطرة منه نظر إلى عكرمة بن ابي جهل وقال لحامل الماء:
اجعل عكرمة يشرب أولًا فهو اكثر عطشا مني، 
فلما اقترب
الماء من عكرمة أراد ان يشرب لكنه رأى عياش بجانبه فقال لحمل الماء : 
احمله إلى عياش
أولًا، فلما وصل الماء إلى عياش قال : 
لا أشرب حتى يشرب أخي الذي طلب الماء أولا ،،
فالتفت الناس نحو الحارث بن هشام فوجدوه قد فارق الحياة ، فنظروا إلى عكرمه فوجدوه قد استشهد، فرجعوا إلى عياش ليسقوه شربة ماء فوجدوه ساكن الأنفاس ...


المصادر⬇⬇

💥البدايه والنهايه ابن كثير 
💥تاريخ الطبري
💥السير للامام الذهبي

الأحد، 12 يوليو 2020

فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ..

حكى الأصمعي قال: 
 "كنت أغشى رجلاً لكرمه، فأتيته بعد مدة فوجدته قد أغلق باب بيته..
 فأخذت رقعة وكتبت فيها:
إذا كان الكريمُ له حجابٌ
     فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ..

وبعثت بها إليه.. 
ووقفت أنتظر الجواب..

 فعادت وعلى ظهرها مكتوب:
إذا كان الكريمُ قليلَ مالٍ
  تستّر بالحُجّابِ عن الغريمِ..
ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار..

فقلت والله لأتحفنّ أمير المؤمنين المأمون بهذه الحكاية..
 فذهبت إليه وقصصت عليه القصة، ووضعت الرقعة والصرة بين يديه"..
 فتأمل الصرة وقال: 
"يا أصمعي هذه الصرة بختم بيت المال.. فأحضر الرجل الذي دفعها إليك"..
 فقلت: "الله الله يا أمير المؤمنين، الرجل قد أولاني خيراً "..
 قال: "لابد منه"..
 فقلت: "غير مروع ؟"..
 قال: "غير مروع"..
 فعرّفته مكانه.. فبعث إليه فحضر..
 فنظر إليه أمير المؤمنين ثم قال له: "ألست أنت الرجل الذي وقف بموكبنا بالأمس، وشكا إلينا رقة حاله وكثرة عياله ؟"..
 قال: "نعم يا أمير المؤمنين"..
 قال: "وأمرنا لك بخمسمائة دينار ؟"..
قال: "نعم، وهي هذه، يا أمير المؤمنين"..
 قال: "ولمَ دفعتها للأصمعي على بيت واحد من الشعر ؟"..
 قال: "استحييت من الله أن أردّ قاصدي، إلا كما ردّني بالأمس أمير المؤمنين".. 
 قال: "لله درّك، ما أكرم خلقك وأوفر مروتك"..
 ثم أمر له بألف دينار..
الناس للناس مادام الوفاء بهم
      والعسر واليسر أوقات وساعات

وأكرم الناس مابين الورى رجل
      تُقضي على يده للناس حاجات

لا تقطعن يد المعروف عن أحد
            ما دمت تقدر والأيام تارات 

واذكر فضيلة صنع الله إذ جعلت
      إليك لا لك عند الناس حاجات

الأربعاء، 8 يوليو 2020

الفضل بن يحيى والأعرابي

الفضل بن يحيى والأعرابي
مما جاء في أخبار البرامكة ما رواه الأصمعي قال خرج الفضل للصيد والقنص. وبينما هو في موكبه إذ رأى أعرابياً على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره. قال: هذا يقصدني فلا يكلمه أحد غيري. فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب. والخيام تنصب. والعسكر الكثير والجم الغفير. وسمع الغوغاء والضجة ظن أنه أمير المؤمنين. فنزل وعقل راحلته وتقدم إليه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: اخفض عليك ما تقول. فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال: الآن قاربت اجلس. فجلس الأعرابي. فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب. قال: من قضاعة. قال: من أدناها أو من أقصاها. قال: من أقصاها. فقال: يا أخا العرب. مثلم من يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق لأي شيء. قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد. الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد. قال: من هم. قال: البرامكة. قال الفضل: يا أخا العرب إن البرامكة خلق كثير. وفيهم جليل وخطير. ولكل منهم خاصة وعامة. فهل أفرزت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك. قال: أجل أطولهم باعاً وأسمحهم كفاً. قال: من هو. قال: الفضل ابن يحيى بن خالد. فقال له الفضل: يا أخا العرب إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر. إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا  العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعلم. أعالم أنت. قال: لا. قال: أفأديب أنت. قال: لا. قال: أفعارف أنت بأيام العرب وأشعارها. قال: لا. قال: وردت على الفضل بكتاب وسيلة. قال: لا. فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك. مثلك يقصد الفضل بن يحيى وهو ما عرفتك عنه من الجلالة. بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه. قال: والله يا أمير ما قصدته إلا لإحسانه المعروف. وكرمه الموصوف. وبيتين من الشعر قلتهما فيه. فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه. وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى ياديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئاً. قال: أفتفعل أيها الأمير. قال: نعم. قال: إني أقول:
ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يمتصه الفضل
ولو أن أماً مسها جوع طفلها ... غذته باسم الفضل لاغتذا الطفل
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك: هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر وأخذ الجائزة عليهما فأنشدني غيرهما. فما تقول. قال أقول:
قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عولة الأبناء
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك الفضل ممتحناً هذان البيتان أخذتهما من أفواه الناس. فأنشدني غيرهما. فما تقول وقد  رمقتك الأدباء بالأبصار وامتدت الأعناق إليك وتحتاج أن تناضل عن نفسك. قال: إذن أقول:
ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل كتابه إحصاء ما يهب
والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق ولم يرتفع مجد ولا حسب
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك الفضل هذان البيتان مسروقان. أنشدني غيرهما. فما تقول: قال. إذن أقول:
ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلى الصوت يا فضل يا فضل
ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل
قال: أحسنت يا أخا العرب فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضاً. أنشدني غيرهما فماذا تقول. قال أقول:
وما الناس إلا اثنان صب وباذل ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل
على أن لي مثلاً إذا ذكر الورى ... وليس الفضل في سماحته مثل
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما فما تقول. قال: أقول أيها الأمير:
حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقامت به التقوى وقام به العدل
وقام به المعروف شرقاً ومغرباً ... ولم يك للمعروف بعد ولا قبل
قال: أحسنت. فإن قال لك: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم فما تقول. قال: إذن أقول:
ألا يا أبا العباس يا واحد الورى ... ويا ملكاً خد الملوك له نعل
إليك تسير الناس شرقاً ومغرباً ... فرادى وأزواجاً كأنهم نحل
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك الفضل: أنشدنا غير الاسم والكنية والقافية. قال: والله لئن زادني الفضل وامتحنني بعدها لأقولن أربعة أبيات ما سبقني إليهن عربي ولا أعجمي. ولئن زادني بعدها لأجمعن قوائم ناقتي هذه وأجعلها في فم الفضل. ولأرجعن إلى قضاعة خاسراً ولا أبالي. فنكس الفضل رأسه وقال للأعرابي: يا أخا العرب أسمعني الأبيات الأربعة. قال أقول:
ولائمة لامتك يا فضل في الندى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
اتنهين فضلاً عن عطاياه للورى ... فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر
كأن نوال الفضل في كل بلدة ... تحدر ماء المزن في مهمه قفر
كأن وقود الناس ف كل وجهة ... إلى الفضل لاقوا عنده ليلة القدر
قال: فأمسك الفضل عن فيه وسقط على وجهه ضاحكاً. ثم رفع رأسه وقال: يا أخا العرب أنا والله الفضل بن يحيى. سل ما شئت. فقال: سألتك بالله أيها الأمير إنك لهو. قال: نعم. قال له: فأقلني. قال: أقالك الله اذكر حاجتك. قال عشرة آلاف درهم. قال الفضل: ازدريت بنا وبنفسك يا أخا العرب. تعطى عشرة آلاف درهم في عشرة آلاف وأمر بدفع المال. فلما صار المال إليه حسده وزير الفضل وقال: يا مولاي هذا إسراف. يأتيك جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه بهذا المال.
فقال: استحقه بحضوره إلينا من أرض قضاعة. قال الوزير: أقسمت عليك إلا أخذت سهماً من كنانتك وركبته في كبد قوسك وأومأت به إلى الأعرابي. فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر وإلا فاستعطف مالك ويكون له في بعضه كفاية. فأخذ الفضل سهماً وركبه في كبد قوسه وأومأ إلى الأعرابي وقال له: رد سهمي ببيت من الشعر فأشأ يقول:
لقوسك قوس الجود والوتر الندى ... وسهمك سهم العز فارم به قفري
قال فضحك الفضل وأنشأ يقول:
إذا ملكت كفي منالاً ولم أنل ... فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي
على الله إخلاف الذي قد بذلته ... فلا مبق لي بخلي ولا متلفي بذلي
أروني بخيلاً نال مجداً ببخله ... وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل
ثم قال الفضل لوزيره أعط الأعرابي مائة ألف درهم لقصده وشعره ومائة ألف درهم ليكفينا شر قوائم ناقته. فأخذ الأعرابي المال وانصرف. وهو يبكي فقال له الفضل: مم بكاؤك يا أعرابي. أإستقلالاً للمال الذي أعطيناك. قال: لا ولكني أبكي على مثلك يأكله التراب وتواريه الأرض. وتذكرت قول الشاعر:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حر ... يموت لموته خلق كثير
ثم انصرف الأعرابي مسروراً.

فمن أنباكَ أن أباكَ ذيب

قرتَ شُويهتي وفجعتَ قلبي
يحكى أن أحد أعرابية وجدت ذئبا ً صغيراً (جرو ذئب) قد ولد للتو ... فحنت عليه وأخذته وربته .. وكانت تطعمه من حليب شاة ٍ عندها .. وكانت الشاة بمثابة الأم لذلك الذئب .
وبعد مرور الوقت كبُر الذئب الصغير .. وعادت الأعرابية يوماً إلى بيتها فوجد ان الذئب قد هجم على الشاة وأكلها ..
فحزنت الأعرابية على صنيع الذئب اللئيم الذي عرف طبعه بالفطرة .. .. فأنشدت بحزن قائلاً :

بقرتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
 *** وأنت لشاتنا ولدٌٌ ربيب ُ
غذيتَ بدرها وربيتَ فينا *** فمن أنباكَ أن أباكَ ذيب ُ
إذا كان الطباع طباع سوء ٍ *** فلا أدب ٌ يفيد ولا أديب ُ

وهكذا اللئام في كل عصر ومصر .. لايفوون الجميل ولا يراعون حرمة الخليل ... ولايردون المعروف ولا يرهبون الحتوف ..
كانت عائشة - رضي الله عنها - تردد بيت شعر لبيد :


ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب ِ

وتقول : لو شاهد لبيد زماننا ماذا سيقول ؟؟
ثم توفيت عائشة ..رضي الله عنها..
قال عروة : لو كانت عائشة في زماننا ماذا ستقول؟؟
ثم توفي عروة ..رضي الله عنه..
فقال هشام ( الراوي ) : لو كان عروة في زماننا ماذا سيقول ؟؟
ونحن نقول : لو كانوا جميعاً في زماننا ... ماذا سيقولون ؟؟؟

وحكاية اخرى شبيهة وهي ان قوماً خرجوا للقنص فلحقوا ضبعة صغيرة فلجأت الى خباء اعرابي فاجارها وجعل يطعمها من زاده ويسقهيا، فبينما هو نائم ذات يوم اذ وثبت عليه وبقرت بطنه وهربت فجاء ابن عمه يطلبه فوجده ميتا، فخرج وتبع الضبعة حتى ادركها فقتلها فقال:

ومن يصنع المعروف في غير أهله
يلاق الذي لاقى مجيرُ أم عامر
اعد لها لما استجارت ببيته
احاليب البان اللقاح لدرائر
وأسمنها حتى اذا ما تمكنت
فرته بأنياب لها واظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من
يجود بمعروف على غير شاكر

ويذكر في هذه المناسبة ان الخليفة العباسي المنصور جعل ولاية العهد بعده الى عيسى بن موسى، ثم تغير عليه وغدر به واضره وقدم عليه المهدي فقال عيسى بن موسى:

أينسى بنو العباس ذودي عنهــم
بسيفي ونارُ الحرب زاد سعيرها
فتحتُ لهم شرق البلاد وغربهــا
فذل معاديها وعـــــــــز نصيرها
فلما وضعـــتُ الامر في مستقره
ولاحت له شمس تلألأ نورهــــا
رُفعت عن الامر الذي استحقــه
وأُسق اوساقاً من الغد حملهـــا
وقال الفررزدق عن ذئب دنا منه وهو في سفر، اثناء الليل وقد اوقد نارا فرمى اليه من زاده ليشاركه العشاء:

واطلس عسال وما كان صاحباً
دعوت بناري موهنــــــاً فأتاني
فلما أتى قلت ادن دونـــك انني
واياك فــــي زادي لمشتركـــان
تعشَّ فــان عاهدتني لاتخونني
نكن مثل من ياذئب يصطحبان