الجمعة، 13 نوفمبر 2020

جابر عثرلت الكرام

 وقعت هذه القصة في زمن سليمان بن عبد الملك، وهي تتحدث عن رجلٍ من قبيلة بني أسد يطلق عليه اسم خزيمة بن بشر، والذي عرف بين قومه بالشهامة، والمروءة، والكرم، حيث كان صاحب نعمةٍ ورزق، يتصدق على الناس، ويتفضل على إخوته، إلا أنّه في يومٍ من الأيام خسر ماله وعزه، فأمسى حزيناً ووحيداً، صدَّ عنه أهله وأصحابه، فما كان منه إلا أن أغلق الباب على نفسه، وانتظر الموت. كان الوالي على منطقة الجزيرة في ذلك الوقت هو عكرمة الفياض - والذي أطلق عليه هذا اللقب نتيجة كرمه الشديد فبينما هو في مجلسه ذُكر اسم خزيمة، فسأل عن حاله، فقال له أصحابه بأنه أصبح سيئ الحال، ولم يعد لديه أي صديقٍ أو مواسٍ، وعندما أقبل الليل قام عكرمة بجمع أربعة آلاف دينار، وانطلق على فرسه لبيت خزيمة متلثماً ومتنكراً، ومن ثم طرق على بابه، ففتح له. أعطى عكرمة المال لخزيمة، وقال له خذ هذا الكيس، أصلح به حالك، فقال له خزيمة من أنت، ردّ عليه بأنه لا يريد أن يعرفه أحد، فرفض أخذ المال حتى يعرف من هو، فقال له: أنا جابر عثرات الكرام، وأسرج فرسه وانطلق مسرعاً، ومن ثم دخل خزيمة إلى زوجته مسرعاً، وفي يده كيس المال، فقال لها بصوتٍ عالٍ: أبشري، لقد أفرج الله علينا! عاد عكرمة إلى البيت متأخراً، فوجد زوجته تنتظره وهي مرتابةٌ في أمره، حيث قالت له بأن خروجه في هذا الوقت من الليل وحده يدل على أن له زوجةً سريةً، فأنكر ذلك، إلا أنها لم تصدقه، فاضطر إلى إخبارها بالقصة كاملة على شرط أن تكتمها. في الصباح الباكر قام خزيمة بسداد ديونه، وإصلاح أموره، ومن ثم انطلق إلى فلسطين لمقابلة أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، فعندما دخل عليه، سأله سليمان عن سبب تأخيره، فأجابه خزيمة: سوء الحال، والضعف، فقال له، وما أنهضك وأقواك؟ فروى له قصة جابر عثرات الكرام، فأصبح أمير المؤمنين متلهفاً لمعرفته، حتى يعينه على شهامته ومروءته. قام سليمان بتعيين خزيمة والياً على منطقة الجزيرة، وعندما وصل هناك نزل في دار الإمارة، وأمر بمحاسبة عكرمة الوالي السابق، فبقيت ديونٌ كثيرة عليه، مما دفع خزيمة إلى تكبيله بالسلاسل، وحبسه، الأمر الذي ألحق الضرر والأذى به، وعندما سمعت زوجة عكرمة ما حل به، انطلقت إلى خزيمة وقالت له: هل هذا جزاء جابر عثرات الكرام؟! فقال خزيمة: واسوأتاه، هل هذا هو غريمي؟! انطلق خزيمة إلى مكان حبس عكرمة، ففك قيوده، وأقبل على رأسه يقبل فيه، وأمر أن توضع القيود والسلاسل في رجليه ليعاقب نفسه، وليناله ذات الضرر الذي نال عكرمة، فأقسم عليه أن لا يفعل ذلك، حيث خرج الاثنان معاً، وذهبا إلى سليمان، فدخل عليه خزيمة وقال له أنه وجد جابر عثرات الكرام، فسأله سليمان عن هويته، فأجابه: عكرمة الفياض. أعطى سليمان لعكرمة عشرة آلاف دينار، وعيّنه والياً على الجزيرة، وأذربيجان، بالإضافة إلى أرمينيا، وبقي يعمل مع خزيمة لصالح سليمان بن عبد الملك طوال فترة خلافته.



من الذي أغضب الكريم

 (من الذي أغضب الكريم ///

يحكي الأصمعي فيقول:

إنه سار يوماً فوجد أعرابياً، فسأله الأعرابي:

من أين أنت يا أخ العرب؟

قال: من أصمع.

قال الأعرابي: ومن أين أتيت؟

قال: من المسجد.

قال: وما تصنعون بالمسجد؟

قال: نصلي، و نقرأ قرآن الله.

قال الأعرابي: إقرأ علي شيئاً منه.

فقرأ عليه سورة الذاريات ، فلما وصل إلى قوله تعالى:

( وفي السماء رزقكم و ما توعدون ) .

قال الأعرابي: حسبك، وقام وذبح ناقته، و تصدق بها يقينا منه بصدق الرزاق ثم انصرف.

يقول الأصمعي:

وبعد سنتين من لقائنا، خرجت مع الرشيد للحج، فلقيت ذلك الأعرابي، فجاءني، وقال: ألست الأصمعي؟

قلت: بلى.

قال: زدني مما قرأت علي المرة السابقة.

قال الأصمعي: فقرأت عليه بقية السورة..

( فورب السماء و الأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون .)

وهنا انتفض الأعرابي و صرخ بأعلى صوته وقال:

من أغضب الكريم حتى يحلف؟

من أغضب الكريم حتى يحلف؟

أما كان يكفيكم قوله: (و في السماء رزقكم و ما توعدون)؟

يقول الأصمعي:

فرددها ثلاثا، فوالله ما انتهى من الثالثة حتى فاضت روحه.

ما جعل الأعرابي يصعق من فوره؛ أن الناس جعلوا الرحمن يقسم ليصدقوا بأن رزقهم مضمون.

فكيف به لو عاش بيننا الآن و رأى الذين لا يصدقونه سبحانه حتى بعد أن أقسم!

فترى الواحد منهم يلهث وراء جمع المال حتى لو كان حراماً بدعوى أنه يريد أن يؤمن مستقبل أولاده .. جاعلاً الدنيا أكبر همه و مبلغ علمه ناسياً بأن مستقبل أولاده لن يؤمنه البيت ولا السيارة ولا الرصيد في البنك.. بل مستقبل الأبناء مرهون "بالعمل الصالح".

قال تعالى: ( و كان أبوهما صالحا )

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020

زيد الخيل

 لناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ، فإليك صورتين لصحابي جليل خطت أولاهما يد الجاهلية ، و أبدعت أخراهما أنامل الإسلام ، ذلك الصحابي هو ( زيد الخيل ) وسمى كذلك لكثرة خيله كما كان يدعوه الناس في جاهليته ، و ( زيد الخير ) كما دعاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه .

أما الصورة الأولى فترويها كتب الأدب فتقول : حكي الشيباني عن شيخ بني (عامر) قال : أصابتنا سنة مجدبة هلك فيها الزرع و الضرع ، فخرج رجل منها بعياله إلى (الحيرة) مدينة بالعراق ، و تركهم فيها ، و قال لهم : انتظروني هنا حتى أعود إليكم .

ثم أقسم ألا يرجع إليهم إلا إذا كسب لهم مالا أو يموت ، ثم تزود زادا ومشي يومه كله حتى إذا أقبل الليل وجد أمامه خباء ( خيمة ) وبالقرب من الخباء مُهر مقيد فقال : هذا أول الغنيمة ، و توجه إليه وجعل يحل قيده ، فما إن همّ بركوبه حتى سمع صوتا يناديه : خلِّ عنه و اغنم نفسك ، فتركه و مضى .

ثم مشى سبع أيام حتى بلغ مكانا فيه مراح للإبل ، وبجانبه خباء عظيم فيه قبة من جلد تشير إلى الثراء والنعمة ، فقال الرجل في نفسه : لابد لهذا المراح من إبل ولابد لهذا الخباء من أهل ، ثم نظر في الخباء و كانت الشمس تدنو من المغيب فوجد شيخا فانيا في وسطه ، فجلس خلفه وهو لا يشعر به .

و ماهو إلا قليل حتى غابت الشمس ، وأقبل فارس لم يرا قط فارس أعظم منه ولا أجسم ، قد امتطى صهوة جواد عال وحوله عبدان يمشيان عن يمينه وعن شماله ومعه نحو مائة من الإبل أمامها فحل كبير ، فبرك الفحل ، فبركت حوله النوق .

وهنا قال الفارس لأحد عبديه : احلب هذه وأشار إلى ناقة سمينة واسق الشيخ فحلب منها حتى ملئ الإناء ، ووضعه بين يدي الشيخ و تنحى عنه ، فجرع منه الشيخ جرعة أو جرعتين وتركه ، قال الرجل : فدببت نحوه متخفيا ، و أخذت الإناء وشربت كل ما فيه فرجع العبد وأخذ الإناء وقال : يا مولاي لقد شربه كله .

ففرح الفارس وقال : احلب هذه و أشار إلي ناقة أخرى ووضع الإناء بين يدي الشيخ فجرع منه الشيخ جرعة واحدة و تركه ، فأخذته وشربت نصفه و كرهت أن آتي عليه كله حتى لا أسير الشك في نفس الفارس ، ثم أمر الفارس عبده الثاني أن يذبح شاة ، فذبحها ، فقام إليها الفارس وشوى للشيخ منها وأطعمه بيديه حتى إذا شبع جعل يأكل هو وعبداه وما هو إلا قليل حتي أخذ الجميع مضاجعهم و ناموا نوما عميقا له غطيط أى الصوت الصادر من النائم .

عند ذلك توجهت إلى الفحل وحللت عقاله وركبته ، فاندفع و تبعته الإبل ومشيت ليلتي ، فلما أسفر النهار نظرت في كل جهة فلم أر أحدا يتبعني فاندفعت في السير حتى تعالى النهار ، ثم التفت التفاتة فإذا أنا بشئ كأنه نسر أو طائر كبير ، فما زال يدنو مني حتى تبينته فإذا هو فارس على فرس ، ثم مازال يقبل علي حتى عرفت أنه صاحبي جاء ينشد إبله أى صاحب الإبل .

عند ذلك عقلت الفحل وأخرجت سهما من كنانتي ووضعته في قوسي وجعلت الإبل خلفي فوقف الفارس بعيدا ، وقال لي : احلل عقال الفحل ، فقلت : كلا لقد تركت ورائي نسوة جائعات ( بالحيرة ) وأقسمت ألا أرجع إليهن إلا معي مال أو أموت .

قال : إنك ميت ، احلل عقال الفحل لا أبا لك وهى كلمة المراد بها الشتم ، فقلت : لن أحله ، فقال : ويحك إنك لمغرور ، ثم قال : دَلِّ زمام الفحل وكانت فيه ثلاث عقد ثم سألني في أي عقدة منها أريد أن يضع لي السهم فأشرت في الوسطى فرمي السهم فأدخله فيها حتى لكأنما وضعه بيديه ، ثم أصاب الثانية والثالثة .
عند ذلك أعدت سهمي إلى كنانتي ووقفت مستسلما فدنا مني وأخذ سيفي وقوسي ، وقال : اركب خلفي فركبت خلفه فقال : كيف تظن أني فاعل بك ؟ فقلت : أسوأ الظن ، قال : و لم ؟ قلت : لما فعلته بك وما أنزلته بك من عناء وقد أظفرك الله بي .

فقال : أوتظن أني فاعل بك سوءا وقد شاركت (مهلهلا ) يعني أباه في شرابه وطعامه ونادمته تلك الليلة ، فلما سمعت اسم مهلهل ، قلت : أزيد الخيل أنت ؟ قال : نعم ، فقلت : كن خير آسر ، فقال : لا بأس عليك ومضى إلى موضعه وقال : و الله لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إياك ولكنها لأخت من أخواتي .

فأقم عندنا أياما فإنى على وشك غارة قد أغنم منها وما هي إلا أيام ثلاثة حتى أغار علي بني ( نمير ) فغنم قريبا من مائة ناقة فأعطاني إياها كلها ، وبعث معي رجالا من عنده يحمونني حتي وصلت ( الحيرة ) ، تلك كانت صورة زيد الخيل في الجاهلية .

أما صورته في الإسلام فتجلوها كتب السير فتقول : لما بلغت أخبار النبي صلي الله عليه وسلم سمع زيد الخيل ووقف علي شئ مما يدعو إليه أعد راحلته ودعا السادة الكبراء من قومه إلي زيارة (يثرب) ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم فركب معه وفد كبير من (طيئ) فيهم زُرٌ بن سَدوس ومالك بن جبير وعامر بن جوين وغيرهم وغيرهم .

فلما بلغوا المدينة توجهوا إلى المسجد النبوي الشريف وأناخوا ركائبهم ببابه وصادف عند دخولهم أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب المسلمين من فوق المنبر فراعهم كلامه وأدهشهم تعلق المسلمين به وإنصاتهم له وتاثرهم بما يقول : ولما أبصرهم الرسول صلي الله عليه وسلم قال : يخاطب المسلمين : ( إني خير لكم من العُزى ومن كل ما تعبدون ، إني خير لكم من الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله ) .

لقد وقع كلام الرسول صلي الله عليه وسلم في نفس زيد الخيل ومن معه موقعين مختلفين فبعض استجاب للحق وأقبل عليه وبعض تولي عنه واستكبر عليه ، فريق في الجنة وفريق في السعير أما ( زٌرُ بن سَدوس ) فما كاد يري الرسول صلي الله عليه وسلم في موقفه الرائع تحفه القلوب المؤمنة وتحوطه العيون الحانية حتي دب الحسد في قلبه و ملأ الخوف فؤاده .

ثم قال لمن معه : إني لأري رجل ليملكن رقاب العرب ، والله لا أجعله يملك رقبتي أبدا ، ثم توجه إلي بلاد الشام وحلق رأسه وتنصر  وأما زيد والآخرون فقد كان لهم شأن آخر ، فما إن انتهي الرسول صلي الله عليه وسلم من خطبته حتى وقف زيد الخيل بين جموع المسلمين .

وكان من أجمل الرجال جمالا وأتمهم خلقة وأطولهم قامة حتى أنه كان يركب الفرس فتخبط رجلاه علي الأرض كما لو كان راكبا حمار ا ، وقف بقامته الممشوقة وأطلق صوته الجهير  وقال : يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله فأقبل عليه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ، وقال : من أنت ؟ قال : أنا زيد الخيل بن مهلهل ، فقال له الرسول صلي الله عليه وسلم : بل أنت زيد الخير ، لا زيد الخيل .
الحمد لله الذي جاء بك من سهلك وجبلك ورقق قلبك للإسلام ، فعرف بعد ذلك بزيد الخير ، ثم مضى به الرسول صلي الله عليه وسلم إلى منزله ومعه عمر بن الخطاب ولفيف من الصحابة فلما بلغوا البيت طرح الرسول صلي الله عليه وسلم لزيد متكأ ، فعظم عليه أن يتكئ في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد المتكأ و ما زال يعيده الرسول صلى الله عليه وسلم له وهو يرده ثلاثا .

ولما استقر به المجلس قال الرسول صلي الله عليه وسلم لزيد : ( يا زيد ما وصف لي رجل قط ثم رأيته إلا كان دون ما وصف به إلا أنت) ثم قال له : ( كيف أصبحت يا زيد ) ؟ قال زيد : أصبحت أحب الخير و أهله ومن يعمل به فإن عملت به أيقنت بثوابه وإن فاتني منه شيئا حننت إليه .
فقال صلى الله عليه وسلم : ( هذه علامة الله فيمن يريد ) فقال زيد : الحمد لله الذي جعلني على ما يريد الله ورسوله ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : أعطني ثلاثمائة فارس وأنا كفيل لك على أن أغير بهم علي بلاد الروم وأنال منهم فأكبر الرسول صلى الله عليه وسلم همته هذه وقال له : ( لله درك يا زيد ، أي رجل أنت ؟ ) .
ثم أسلم مع زيد جميع من صحبه من قومه ولما هم زيد بالرجوع هو ومن معه إلى ديارهم في ( نجد ) ودعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أي رجل هذا ؟ كم سيكون له من الشأن لو سلم من وباء المدينة ) وكانت المدينة المنورة آنذاك موبوءة بالحمى ، فما إن بارحها زيد الخير حتى أصابته .

فقال لمن معه : جنبوني بلاد (قيس) فقد كانت بيننا حماسات من حماقات الجاهلية ولا والله لا أقاتل مسلما حتى ألقى الله عز وجل ، تابع زيد الخير سيره حتى ديار أهله في ( نجد ) على الرغم من أن وطأة الحمى كانت تشتد عليه ساعة بعد أخرى فقد كان يتمنى أن يلقى قومه و أن يكتب الله لهم الإسلام على يديه .

و طفق يسابق المنية والمنية تسابقه لكنها ما لبثت أن سبقته فلفظ أنفاسه الأخيرة في بعض طريقه ولم يكن بين إسلامه وموته متسع لأن يقع في ذنب .