الجمعة، 10 يناير 2020

الحطيئة

جرول بن أوس العبسي، لُقب بالحطيئة لقصر قامته، ولد في بني عبس، شب فقيراً، حيث لا يعرف له نسب، عاش في الجاهلية وأسلم في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وارتد، ثم عاد إلى الإسلام في عهد أبي بكر.
اشتهر شعره بالهجاء العنيف والشتم، كان يتعايش من هجاء الناس، فكانوا يخشون هجاءه، ولم يكد يسلم من لسانه أحد، حتى أنه هجا أباه وأمه وإخوته وزوجه ونفسه ومن هجاء نفسه:

أبت شفتاي اليوم ألا تكلما
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه
بسوء فلا أدري لمن أنا قائله
فقبّح من وجهٍ وقبّح حامله

وقوله في هجاء زوجته:
تنحي فاجلسي عني بعيداً
أغربالاً إذا استودعت سراً
حياتك ما علمت حياة سوء
أراح الله منك العالمينا

خرج جرول ومعه أهله يريد العراق فراراً وطلباً للعيش، فلقي الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس في طريقه إلى الخليفة عمر بن الخطاب بصدقات قومه، فحدثه بما يريد فأعطاه الزبرقان أمارة يذهب بها إلى أهله ويكون ضيفاً له حتى يلحق به، ففعل، وأكرمه أهل الزبرقان ولم يحفظ الجميل، بل رده بأن هجاه وشنع عليه وقدحه فقال:
ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلاً
ذا حاجةٍ عاش في مستوعرٍ
شاسِ جاراً لقومٍ أطالوا هون منزله
وغادروه مقيماً بين أرماسِ
ملَّوا قِراهُ وهرَّته كلابهُمُ
وجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
وأقعد فأنت الطاعم الكاسي

شكاه الزبرقان للخليفة عمر بن الخطاب، فحبسه، ولكن الحطيئة بدهائه ومعرفته بشخصية عمر ورغم شدته على الحق ولكن قلبه ليّن وشديد البكاء فاسترحمه أن لديه أطفالاً صغاراً لا يجدون من يعيلهم، وطلب منه الصفح فقال فيها:

ماذا تقول الأفراخ بذي مرخٍ
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
فامنن عليك سلام الله يا عمر
ألقت إليك مقاليد النهى البشر

بكى عمر بعد أن قرأ الأبيات، فأخرجه، وقال له «والله لولا أن تكون سُنة لقطعت لسانك»، ونهاه عن هجاء الناس واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وأخذ منه عهداً، ففعل الحطيئة طيلة حياة عمر، وبعد وفاته عاد إلى طبعه.
كانت قبيلة أنف الناقة تخجل من اسمها، فذهبوا للحطيئة ليقول فيهم شعراً مقابل المال، ففعل وبعدها أصبحت مثار فخر باسمها بين العرب، حيث قال:

قوم هم الأنف والأذناب دونهم
فمن يسوي بأنف الناقة الذنب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق